ابن عربي

553

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

له الصمدانية ، وهي صفة تنزيه وتبرئة ، فارتفع أن يكون الضمير يعود على الرب المذكور المضاف إلى الخلق في قولهم له صلّى اللّه عليه وسلّم : انسب لنا ربك ؛ فأضافوه إليه لا إليهم ، ولما نسبه صلّى اللّه عليه وسلّم بما أنزل عليه لم يضفه لا إليه ولا إليهم بل ذكره بما يستحقه جلاله ، فإذا ليس الضمير في « هُوَ اللَّهُ » يعود على من ذكر ، فإذا عرفت ما ذكرناه عرفت أن الإضمار قبل الذكر لا يصح إلا على اللّه ، وبعد الذكر تقع فيه المشاركة ، قال تعالى ( اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) فأعاد الضمير على اللّه المذكور في أول الآية ، وهنا قال تعالى « قُلْ هُوَ اللَّهُ » فأثبت الوجود « أَحَدٌ » فنفى العدد وأثبت الأحدية للّه سبحانه ، أي لا يشارك في هذه الصفة ، صفة الأحدية ، فالأحدية لا تثبت إلا للّه مطلقا ، وأما ما سوى اللّه فلا أحدية له مطلقا ، قال تعالى ( وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) أما الواحد فإنا نظرنا في القرآن ، هل أطلقه الحق على غيره كما أطلق الأحدية ؟ فلم أجده ، وما أنا منه على يقين ، فإن كان لم يطلقه فهو أخص من الأحدية ، ويكون اسما للذات علما ، لا يكون صفة كالأحدية ، فإن الصفة محل الاشتراك ، ولهذا أطلقت الأحدية على كل ما سوى اللّه في القرآن ، ولا يعتبر كلام الناس واصطلاحهم ، وإنما ينظر ما ورد في القرآن الذي هو كلام اللّه ، فإن وجد في كلام اللّه لفظ الواحد ، كان حكمه حكم الأحدية ، للاشتراك اللفظي فيه ، وإن كان لا يوجد في كلام اللّه لفظ الواحد يطلق على الغير ، فيلحقه بخصائص ما تستحقه الذات ، ويكون كالاسم اللّه الذي لم يتسم به أحد سواه ، واعلم أن مشيئة اللّه تعالى وإرادته وعلمه وقدرته ذاته ، تعالى اللّه أن يتكثر في ذاته ، بل له الوحدة المطلقة ، وهو الواحد الأحد ، إذ العين واحدة لا متحدة ، وفي العبد متحدة لا واحدة ، فالأحدية للّه ، والاتحاد للعبد لا الأحدية ، فإنه لا يعقل العبد إلا بغيره لا بنفسه ، فلا رائحة له في الأحدية أبدا ، والحق قد تعقل له الأحدية ، وقد تعقل بالإضافة ، لأن الكل له ، بل هو عين الكل ، لا كلية جمع ، بل حقيقة أحدية تكون عنها الكثرة ، ولا يصح هذا إلا في جناب الحق خاصة ، فلا يصدر عن الواحد أبدا في قضية العقل إلا واحد ، إلا أحدية الحق فإن الكثرة تصدر عنها ، لأن أحديته خارجة عن حكم العقل وطوره ، فأحدية حكم العقل هي التي لا يصدر عنها إلا واحد ، وأحدية الحق لا تدخل تحت حكم ، كيف يدخل تحت الحكم من خلق الحكم والحاكم ؟ لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، فليس للحق من الصفات النفسية سوى واحدة لأحديته ، وهي عين ذاته ، فليس له فصل مقوم يتميز به عما وقع